‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مختلفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مختلفة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 26 سبتمبر 2016

صلة الرحم

 


صلة الرحم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
صلة الرحم :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولعله من أبرز العبادات التعاملية إنه "صلة الرحم"، فقد قال الله عز وجل:
﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النساء الآية: 36 ]
صلة الرحم من أبرز العبادات التعاملية
وقد قرنت هذه العبادة التعاملية بالصلاة والزكاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي أيوب الأنصاري أن رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال:
(( أخبرني بعمل يُدْخِلُني الجنَّةَ، ويباعدني من النار، فقال القوم: ما لَهُ؟ ما لَهُ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أرَبَّ ما لَهُ؟ تعبدُ الله لا تُشْرك به شيئاً، وتقيمُ الصلاةَ وتُؤتي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي أيوب ]
هذا قانون، وقد أُمرت الأمم قبلنا بصلة الرحم، فقال سبحانه:
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة البقرة الآية: 83 ]
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم في مطلع نبوته إلى صلة الرحم، فعن أبي أمامة قال:
(( كُنْتُ وأنا في الجاهلية أظُنُّ أنَّ الناس على ضلالة، وأنهم لَيْسُوا على شيء وهم يَعْبُدُون الأوثان، فسمعتُ برَجُل بمكةَ يُخْبِرُ أخْبارا، فَقَعَدْتُ على رَاحِلتي، فَقَدِمْتُ عليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْتَخْفِيا، حِرَاء، عليه قومه، فَتَلَطَّفتُ، حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنتَ؟ فقال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله فقلت: فَبِأيِّ شيء [ أرسلك ]؟ قال: [ أرسلني ] بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يُوَحَّدَ الله ولا يشرك به شيء ))
[ أخرجه مسلم عن عمرو بن عبسة ]
صلة الرحم عبادة تحتل المركز الأول بعد العبادات الشعائرية :
تلاحظون أن هذه العبادة التعاملية تحتل أول مركز بعد العبادات الشعائرية، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يربط هذه العبادة بأن يكون الأرحام لهم مكانة، قال النبي الكريم:
((أوصاني خليلي بصلة الرحم وإن أدبرت ))
[ أخرجه الطبراني والطبراني عن أبي ذر الغفاري ]
و:
((أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع : خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية ، وكلمة العدل في الغضب والرضى ، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا ، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة، بل إن هذه العبادة التعاملية الأولى ربطت بالإيمان، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( وَمَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر فليَصِل رَحِمَه ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة ]
صلة الرحم عبادةٌ عظيمة من أخصّ العبادات :
صلة الرحم عبادة عظيمة من أخص العبادات
أيها الأخوة، صلة الرحم عبادةٌ عظيمة من أخص العبادات، يقول عمر بن دينار: ما من خطوةٍ بعد الفريضة أعظم أجراً من خطوةٍ إلى ذي رحم، ثوابها معجلٌ في الدنيا، ونعيمٌ مدخرٌ في الآخرة، فقد قال صلى الله عليه وسلم:
(( إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم ))
[أخرجه الطبراني في المعجم عن أبي هريرة ]
أعجل ثواباً في الدنيا قبل الآخرة، والقائم بحقوق ذوي القربى موعودٌ في الجنة، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
((أصحاب الجنة ثلاثة ذو سلطان مصدق ومقسط موفق ))
[أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم عن عياض بن حماد]
إنسان قوي، عادل، مستقيم، موفق، محسن.
(( ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قُرْبَى ومسلم ، وعفيف مُتَعَفِّف ذو عيال ))
[أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم عن عياض بن حماد]
السخاء على الرحم له ثوابٌ مضاعفٌ من رب العالمين :
السخاء على الرحم له ثوابٌ مضاعف من رب العالمين
أيها الأخوة الكرام، أمر الله بالرأفة بالأرحام كما نرأف بالمساكين، قال عز وجل:
﴿ وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 26]
وحق الرحم في البذل والعطاء مقدمٌ على اليتامى والمساكين، قال تعالى:
﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 215 ]
أيها الأخوة، السخاء على الرحم له ثوابٌ مضاعفٌ من رب العالمين، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم دققوا في هذا الحديث:
(( الصَّدَقَةُ على المسكينِ صَدَقة، وهي على ذي الرَّحمِ اثنتان: صدقة وصِلة ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن سلمان بن عامر ]
إن تفقدت ذوي رحمك لك أجران؛ أجر الصدقة مع أجر الصلة، وأول من يعطى من الصدقة هم الأقربون من ذوي المسكنة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول:
(( كان أبو طلحةَ أكثَرَ الأنصار مالا بالمدينة من نخل، وكان أحبَّ أمواله إِليه بَيْرُحاءَ - بستان جميل جداً وكانت مستقبلةَ المسجدِ - فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدخُلُها، ويشربُ من ماء فيها طيِّب ، قال أنس: فلما نزلتْ هذه الآية: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ }
[آل عمران : 92]
قام أبو طلحةَ إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله، إِن الله تبارك وتعالى يقول: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } وإِن أحبَّ مالي إِليَّ: بَيْرُحاءَ، وإِنَّها صدقة لله، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله فَضعْها يا رسولَ الله حيث أراكَ الله، قال: فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: بَخ، ذلك مال رابح ذلك مال رابح ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أنس بن مالك ]
بعضهم يقول: لما سمي المال مالاً؟ لأنه ليس لك ما لك، أما إذا أنفقته في سبيل الله فيصبح لك.
(( ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإِني أرى أن تجعلَها في الأقربين، فقال أبو طلحةَ: أفعلُ يا رسولَ الله، فقسمها أبو طلحةَ في أقاربه وبني عمه))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أنس بن مالك ]
الباذل لأقربائه سخيُ النفس كريم الشيم :
أيها الأخوة، الباذل لأقربائه سخيُ النفس، كريم الشيم، يقول الشعبي -رحمه الله-: والله ما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دين إلا وقضيت عنه دينه.
أحد أخواننا الكرام، له ابن عم أستاذ جامعي، توفي بمرض وبيل، فسأل أولاده أمامي أَعلى والدكم دين؟ قالوا: نعم، قال: هو عليّ، قال لي: تصورت عشرة آلاف، عشرين ألفاً، بعد عدة يوم سألهم، فقالوا: ثلاثمئة وخمسة وثمانين ألفاً، قال لي: والله دفعتها عداً ونقداً، أقسم لي بالله وقال: كان عندي بضاعةٌ كاسدة من سنوات طويلة بعتها بعد عدة أيام ونصيب أرباحي منها المبلغ نفسه.
فهذا الشعبي يقول: ما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دين إلا وقضيت عنه دينه.
من هم الأرحام؟
الأرحام نوعان: رحم الإيمان، ورحم القرابة القريبة أو البعيدة
من هم الأرحام؟ بشكل موضوعي الرحم الأولى رحم الدين، هي رحمٌ عامة تشمل جميع المسلمين، تتفاوت صلتهم بحسب قربهم وبعدهم من الدين، أو بحسب قربهم المكاني أو الزماني فيدل على ذلك قوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 10 ]
أي مؤمن هو أخوك في الدين بحسب مكانه، طبعاً الإنسان بالصين غير الإنسان بالشام، الذي في الشام أقرب إليك، بحسب المكان، والزمان، والقوة في الدين، لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 10 ]
الأخوة الإيمانية لجميع المسلمين، وقال تعالى:
﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
هنا الرحم العامة رحم الإيمان، أي كل أخ مؤمن له عليك حق.
النوع الثاني: رحم القرابة القريبة أو البعيدة من جهتي الأبوين، إذاً كل أقربائك القريبة والبعيدة من جهة الأبوين، أي من جهة والدك ومن جهة أمك.
صلة الرحم تدفع ميتة السوء :
صلة الرحم تدفع ميتة السوء
أيها الأخوة، العلاقات بين الناس تزداد وثوقاً بالرحم، وقريبك لا يمَلّك على القرب، ولا ينساك في البعد، عزه عزٌ لك، وذله ذلٌ لك، قال القرطبي رحمه الله تعالى: اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبةٌ، وأن قطيعتها محرمة.
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار))
[ أخرجه الإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين ]
معنى يزيدان في الأعمار؛ هناك معنى شرحه العلماء قالوا: العمر لا يتبدل، لكن العمر يغتني بالعمل الصالح، أو يطول بالعمل الصالح، ويقصر بضعف العمل الصالح، أوضح مثل إنسان فتح محله التجاري ساعة باع بمليون، وإنسان فتحه اثنتي عشرة ساعة باع بمئة ليرة، فالزمن ليس له قيمة، القيمة لهذا المبلغ الذي باع فيه في هذا اليوم.
و عن أنسٍ رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إن الصدقَةَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ، وتَدْفَعُ مِيتَة السُّوءِ ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
والله مرة في طريقي إلى مكتبي وجدت إنساناً ملقى على الأرض مغطى بغطاء، مات لعله بسكتة دماغية في الطريق، هذا الساعة التاسعة صباحاً، الساعة الرابعة بعد الظهر هو هو، الطبيب لم يأتِ، إنسان يموت في الطريق، إنسان يموت في بيته بين أهله، فلذلك صلة الرحم تدفع ميتة السوء.
كيفية صلة الرحم العامة و الخاصة :

أيها الأخوة، أولاً: رحم الدين كيف نصلها؟ قال: بملازمة الإيمان، والمحبة للمؤمنين، ونصرتهم، والنصيحة لهم، وترك أذيتهم، والعدل بينهم، والإنصاف في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة، كتمريض المرضى، ومواساة الفقراء من دون أن يمن عليهم، ونصرة المظلومين، وحقوق الموتى من غسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة على أهل الإيمان، هذه الرحم العامة، الرحم الخاصة رحم القرابة، وتكون صلتها بزيارتهم، وتفقد أحوالهم، والسؤال عنهم، والإهداء إليهم، والتصدق على فقيرهم، والتلطف مع وجيههم وغنيهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتكون الصلة باستضافتهم، وحسن استقبالهم، وإعزازهم، ومشاركتهم في أفراحهم، ومواساتهم في أتراحهم، وتكون الصلة بالدعاء للأرحام، وسلامة الصدر لهم، والحرص على نصحهم، ودعوتهم للخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وإصلاح ذات البين إذا فسدت.
حدثني أخ قال لي: أنا أسكن ببيت، ثاني قبو تحت الأرض، شمالي، مساحته سبعون متراً، رطوبته عالية جداً، أولادي معهم أمراض كثيرة، قال لي: والله ما خطر في بالي شيء، إلا أنك حينما تحدثت عن صلة الرحم زرت أحد أقربائي، لم أجده فوضعت له بطاقة، يبدو أن هذا القريب رأى من الواجب أن يرد الزيارة، ردها بعد العيد، رأى بيتي بهذا الوضع، قال له: هذا البيت لا يُسكن، قال لي بمروءةٍ عجيبة وبحرصٍ على أولادي: ابحث عن بيت بمليوني ليرة، القصة قديمة، قال لي: والله الله أكرمني ببيت في الطابق الرابع، جنوبي، انتقلت إليه وحياتنا انقلبت رأساً على عقب بهذه الصلة.
صلة الرحم زيارة وتفقد ومساعدة وتوجيه :

الحقيقة هذه الصلة تعني أن القوي من الأقارب يعاون الضعيف، وأن الغني يعاون الفقير، وأن العالم يعاون الجاهل، أنا أتصور صلة الرحم عملية معقدة جداً، الناس اختصروها بزيارة مع بطاقة، ويتمنى ألا يجده، يضع البطاقة وانتهى الأمر، كأن هذه الصلة مسخت، أنا أتصور صلة الرحم أن تزوره، أن تتفقد شؤونه المعاشية، التربوية، الدينية، الاجتماعية، أن تمده بما تستطيع، من مال بأسلوب ذكي جداً، لطيف، مثلاً على المدارس هناك هدية معينة، على أول العام الدراسي هناك هدية معينة، في مواسم العبادة هناك هدية معينة، في الأعياد أن تمده بالمال، أن تمده بتعليم أولاده.
والله حضرت قبل يومين جمعية رائعة جداً، أي طالب متفوق لم يتح له أن يدرس في الجامعة، هذه الجمعية مختصة بالإنفاق عليه حتى التخرج، هذا شيء يفعله أهل الدنيا بأكملهم، طالب متفوق يجب أن يدرس.
فأنت حينما تتفقد من حولك المكافأة في الدنيا قبل الآخرة، أولاً: تكون هذه الصلة ببشاشةٍ عند اللقاء، ولينٍ في المعاملة، وطيبٍ في القول، وطلاقةٍ في الوجه، وزيارات، وصلات إحسانٍ إلى المحتاج، وبذلٍ للمعروف، تكون بنصحهم والنصح لهم، ومساندة مكروبهم، وعيادة مريضهم، والصفح عن عثراتهم، وترك مضرتهم، والمعنى الجامع لكل هذا إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر، هذه الصلة، الصلة زيارة، الصلة تفقد، الصلة مساعدة، الصلة توجيه.
والله سمعت عن أسرة في هذه البلدة الطيبة أنشؤوا شركة غير ربحية من أجل أن تهيئ فرص عمل للشباب الفقراء من هذه الأسرة، لها اجتماعات تعين الشباب، تبحث عن مستقبلهم، تبعثهم إلى الجامعات، من أروع الأُسر، أقامت جمعية خيرية من أجل مساعدة أفراد هذه الأسرة الكبيرة.
كل إنسان يتفقد أرحامه له من الله معاملة خاصة :

أيها الأخوة، إلا أن الأقارب يختلفون في أحوالهم، وطباعهم، ومنازلهم، منهم من يرضى بالقليل، تكفيه الزيارة السنوية، والمكالمة الهاتفية، منهم من لا يرضى بطلاقة الوجه، والصلة بالقول، منهم من يعفو عن حقه كاملاً ويلتمس المعاذير لأرحامه، ومنهم من لا يرضى إلا بالزيارة المستمرة والاهتمام الدائم، فمعاملتهم بهذا المقتضى، كل قريب له طبع، هذا القريب يكفيه بالسنة زيارة، هذا القريب يحتاج إلى زيارة دورية، هذا القريب دقيق جداً يحاسبك على الهمسة، هذا القريب متسامح.
على كلٍّ بشكل مختصر: تبدأ صلة الرحم بنوعٍ من الاتصال، قد يكون هاتفياً، قد يكون بريدياً، قد تكون زيارة، ثم تفقد الأحوال المعيشية والاجتماعية، ثم المساعدة بألطف أسلوب، ثم الأخذ بيد القريب وأهله إلى الله، وحملهم على طاعته والتقرب إليه، وهذا تاجٌ تتوج به الصلة، أي إذا تمكنت أن تأخذ بيد هذه الأسرة إلى الله، دعوتهم إلى مسجدك، اعتنيت بهم، تفقدت شؤونهم، أكرمتهم بهدايا:
(( يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها ))
[ ورد في الأثر]
والله بالواقع أعرف أناساً كثيرين يتمتعون بهذه العبادة التعاملية، والله عز وجل أكرمهم إكراماً لا حدود له، أخ كريم له خمس أخوات بنات، أزواجهن ليسوا أغنياء، هذه بحاجة إلى عملية جراحية على حسابه، هذه تريد مساعدة شهرية على حسابه، شيء عجيب جداً، كل إنسان يتفقد أرحامه له من الله معاملة خاصة.
الآن عندنا أقارب متعبون، حتى لو كان الأقارب من النوع المتعب الذي يقابل الإحسان بالإساءة لا يجوز أن تقاطعهم، لأنك تتعامل مع الله، طاعةً لأمره، والتزاماً بسنة نبيه، أي اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله.
غض البصر عن الهفوات والعفو عن الزلات تجني الود والإخاء واللين والصفاء :

أيها الأخوة، الواقع أن ذوي الرحم غير معصومين، يتعرضون للزلل، ويقعون في الخلل، تصدر منهم الهفوات، يقعون في خطيئاتٍ كبيرات، فإن بدر منهم شيءٌ من ذلك فالزم جانب العفو معهم، فإن العفو من شيم المحسنين، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزة، وقابل إساءتهم بالإحسان إليهم، واقبل عذر معتذرهم، ولك في النبي الكريم يوسف القدوة والأُسوة، فقد فعل أخوة يوسف مع يوسف ما فعلوا، وضعوه في الجب ليموت، أي قتلة، وعندما اعتذروا قَبِل عذرهم، وصفح عنهم الصفح الجميل، ولم يوبخهم بل دعا لهم وقال:
﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
هناك ملمح دقيق في الآية، قال:
﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 100]
لم يقل من الجب، إن قال: إن أخرجني من الجب ذكرهم بخطيئتهم، تجاهل خطيئتهم قال:
﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾
[ سورة يوسف الآية: 100 ]
لم يصف أنهم أعداء، قال: نزغ الشيطان بيننا، هذا تلطف عال جداً، الأنبياء مثل عليا.
حق الرحم :

أيها الأخوة، إذاً غض البصر عن الهفوات، والعفو عن الزلات، وإقالة العثرات تجني الود، والإخاء، واللين، والصفاء، وتتحقق فيك الشهامة، والوفاء، وداوم على هذه الصلة ولو قطعوا، وبادر بالمغفرة ولو أخطؤوا، وأحسن إليهم ولو أساؤوا، ودع عنك محاسبة الأقربين، ولا تجعل عتابك لهم سبباً لبعدهم عنك، وكن جواد النفس، كريم العطاء، وجانب الشح فإنه من أسباب القطيعة.
وعن عبد الله بن عمرو قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
(( وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح أمرهم بالقطيعة فقطعوا أرحامهم، وأمرهم بالفجور ففجروا وأمرهم بالبخل فبخلوا ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
قيل لأحدهم ما حق الرحم؟ قال: تستقبل إذا أقبلت، وتتبع إذا أدبرت، أي ليس الواصل بالمكافئ، زارني أزوره، دعاني إلى وليمة أدعوه إلى وليمة، هذا نمط الغرب، أما عند المسلمين فأصله ولو قطعني، أصله ولو جافاني.
(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة، وآمرُ بالعُرْف ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي الكريم:
(( يا رسولَ الله، إِن لي قرابة، أصلِهُم ويقطعونني، وأُحْسِن إِليهم ويُسيئُون إِليَّ وأحلُم عنهم، ويجهلون عليَّ؟ قال: لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ - التراب - ولن يزال معك من الله ظهير عليهم ما دُمتَ على ذلك ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة، هذا بعض ما في هذه الصلة، وهذه العبادة التعاملية الأولى بعد العبادات الشعائرية، أسأل الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه النصوص والحقائق إلى سلوك يومي.
والحمد لله رب العالمين
إقرأ المزيد

السبت، 24 سبتمبر 2016

الحرية في منظور الإسلام


الحرية في منظور الإسلام

الحرية في منظور الإسلام

الحرية من أهم القيم الإسلامية ، لأنها فطرة الله التي فطر الناس عليها ،ويتميز الإنسان بها على سائر الكائنات الحية الأخرى ، ولا تتحقق إرادته إلا في جومن الحرية الكاملة الواعية التي لا تخل بمبادئ المجتمع العامة كما لا تعتدي علىحريات الآخرين .      وبعيداً عن التعريفات العبثية وأيضاً تلك التي تعتبر ردود أفعال لما صدرعن الناس تحت اسم الحرية يمكن أن نقول : إن الحرية هي تمكين الإنسان من أن يقومبدوره الطبيعي في الحياة مع يقينه بأنه سبب وجوده والموجد لحقوقه.
     وهذا التعريف يشمل أساسيات ومبادئ ويحتوي علي صور عديدة لمفهوم الحريةولهذا يجري الحديث عنه في إطارين :
أولاً : المبادئ والأطر الحاكمة لمفهوم الحرية :
1-   تمام حرية الفرد تكمن في قمة عبوديته لله تعالي وتخلصه من عبودية ماسواه :
بمجرد دخول الإنسان دين الإسلام  , والإيمان به جاء به  يضمن الحرية بالضرورة ؛ لأنه يعنى إفراد العبودية لله تعالى فلا يسمحبأي نوع من أنواع العبودية لغير الله ، وهذا هو أقصى ما يطمح إليه الإنسان منالحرية ، ففي القرآن الكريم يقول ربنا تبارك وتعالي ( ضرب الله مثلاً رجلاً فيهشركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون(
والحالة الوحيدة التي يمكن أن يتخلص الإنسان فيها من كل صور الحيرة والقلقوتعدد مصادر التوجيهات لديه هي أن يكون خالصاً لله ، فقد ثبت أن الإخلاص لصورةواحدة من صور الهوى دون البقية لايمكن أن تحدث ، أم تخليص القلب لله فهو يَجُبُّ ماسواه ، ومن ثم تكون السكينة والراحة ووضوح الرؤية ، ولهذا لا نستغرب حينما يذكرالداخلون في الإسلام من أهل الغرب أن السكينة والحرية التي وجدوها في الإسلام لانظير لها ، وهم في الأصل من دعاة الحرية والتحرر .
2-حرية الاختيار بالنسبة للدين تكون عند لحظة الاختيار الأولي ، فإذا شاءآمن وإذا شاء كفر ، وهذه لا إكراه فيها وهي التي قال الله تعالي في شأنها ( لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسكبالعروة الو ثقي لا انفصام لها والله سميع عليم )  يقول المفسرون : إنه كان لرجل منالأنصار من بني سالم بن عوف ابنان متنصران قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، ثمقدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الزيت ، فلزمهما أبوهما وقال : لا أدعكماحتى تُسلما ، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا رسول الله أيدخلبعضي النار وأنا أنظر ؟ فأنزل الله تعالى : ( لا إكراه في الدين ) الآية ، فخلَّىسبيلهما .
     أما بعد الدخول في الإسلام فهو ملزم باتباع كل أوامره واجتناب كل نواهيه ،حتى لو كان قد اشترط غير ذلك عند إسلامه ، فإن ثقيف قد اشترطت عند إسلامها أن لازكاة ولاجهاد فقبل النبي صلي الله عليه وسلم إسلامهم ولما تعجب الصحابة قال لي اللهعليه وسلم
( سيتصدقون ويجاهدون إنشاء الله ) صدق صلي الله عليه وسلم ، روى أبو داودوأحمد واللفظ له بإسناد رجاله ثقات ، عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف قدموا علىرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم ، فاشترطوا علىالنبي صلى الله عليه وسلم أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا ولا يستعمل عليهمغيرهم ) قال: ( فقال: إن لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا ولا يستعمل عليكم غيركم ،وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا خير في دين لا ركوع فيه ) ، ولهذا قال الإمامأحمد : يصح الإسلام علي الشرط الفاسد ثم يلزم بكل شرائع الإسلام .
ولا ننسي قصة بني إسرائيل مع نبي الله موسي عليه السلام ، حينما طلبوا أن تكونعقولهم حاكمةً علي نصوص الوحي فلا يقبلوا إلا ما يرضونه من الأحكام وهو ما يتوافقمع هواهم ، فارتفع الجبل فوق رؤوسهم كأنه مظلة تغطيهم جميعاً ثم خُيروا بين قبولالأحكام كما هي أو أن ينزل الجبل عليهم ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنهواقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا مافيه لعلكم تتقون ) .
وعليه فلا حجة لمن قال إنه يعلق الالتزام بالأحكام الشرعية علي رضاه أواقتناعه ، إنما يفيد الرضا والاقتناع صاحبه في الحصول علي أجر الطاعة ، أما منفعلها مضطراً فلا أجر له فيها .
3-    دوافع الأفعال شرعية وليست من هوي النفس أو إملاءات الشهوة ، وهذا هوالفرق الأساسي بين الحرية والتفلت ، قال تعالي (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضلهالله علي علم وختم علي سمعه وقلبه وجعل علي بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلاتذكرون ) وحديث النبي صلي الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي عن شداد بن أوس ( الكيسمن دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع النفس هواها وتمني علي اللهالأماني ) وهذا يعني النظر إلي العواقب قبل الشروع في الفعل ، وهذا يمثل عند أنصارالتحلل لوناً من ألوان القيود يفرضه الإنسان علي شهواته ، ولكنه في الحقيقة صمامأمان للنفس والمجتمع .
 4 –  الحرية الحقيقية في علاقتك بالآخرين تعني ارتباطك بهم طبقاً للقواعدالشرعية وليست وفقاً لقدرتك علي غلبتهم وقهرهم وانتزاع حقوقهم ، إذ أن الإنسان جزءمن مجتمع يكثر أهله وتتعارض مصالحهم في أحيان كثيرة ولهذا قال الله تعالي ( وجعلنابعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) وطبيعة العلاقة الحسنة مرتبتان لا ثالث لهما  :
المرتبة الأولي أن إحساسك بالعلاقة بينك وبين الآخرين ينمي فيك حسن أداءالأمانة .
قال تعالي ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلي أهلها ) فحياة الإنسانعبارة عن مجموعة علاقات ، مع نفسه ومع زوجه وأبنائه ، ومع أقاربه وجيرانه ، ومعزملاء العمل وغيرهم ، وكل علاقة تتولد عنها حقوق وواجبات ، والمسلم الحق يبحث أولاًعن واجبه فيسارع إلي أدائه ، ويبحث عن حقه فلا يحصل علي أكثر منه ، فإن كان ذلك فمنأين يأتي النزاع ؟ وقد ورد أن أبا بكر الصديق عيّن عمر بن الخطاب رضي الله عنهماقاضيا على المدينة ، فمكث فيهم سنة دون أن ترفع إليه شكوى فطلب من أبي بكر إعفاءهمن هذا المنصب ، فقال أبو بكر : أمنمشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر ؟ فقال عمررضي الله عنه : لا يا خليفة رسول الله ، ولكن لا حاجة بي عند قوم مؤمنين ، عرف كلواحد منهم حقه ، فلم يطلب أكثر منه ، وما عليه من واجب فلم يقصر عن أداءه ، وأحب كلواحد منهم لأخيه ما يحب لنفسه إذا غاب أحدهم تفقدوه ، وإذا مرض عادوه ، وإذا افتقرأعانوه ، وإذا احتاج ساعدوه ، وإذا أصيب واسوه. دينهم النصيحة ، وخلقهم الأمربالمعروف ، والنهي عن المنكر .
    المرتبة الثانية  : في حال الاختلاف نحتكم إلي ميزان ثابت لا يجامل أحداً ولايتحامل علي أحد والرضا به علامة الإيمان الحق .
     وهي المطلوبة في حالة الاختلاف والتنازع ، وتقوم علي  أحكام الشريعة {  فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا }النساء : 59 ] .
ثانياً : من صور الحرية التي نظمها الإسلام :
1-حرية التفكير: فلقد أعطى الإسلام للإنسان حرية التفكير في حدود الآداب العامة والأخلاق الفاضلة، شريطة عدم السب واللعن والكذب والقذف ، وكل ذلك بما يتفق مع المبدأ العام  .عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَضَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ .  ( سنن ابن ماجه
2-حرية القول : وإذا كان الإسلام قد أعطى للإنسان حرية التفكير فإنه أعطى له أيضا حرية القولولكنها ليست مطلقة وإنما هي مقيدة فالقول الذي فيه إيذاء للآخرين حرمه الإسلام .  {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا }[ النساء : 83 ] , ( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) صحيح البخاري .
3-الحرية السياسية : ومن تعاليم الإسلام الحنيف أنه قرر عدم الحجر على الناس في إبداء آرائهم وشرحوجهات نظرهم في الحياة الإنسانية ومن بينها ( الحياة السياسية ) ، والحرية السياسيةليست إلا فرعاً لأصل إسلامي عام هو حرية الإنسان ، وهذه الحرية التي يقررها الإسلاميحدها قيد واحد هو التزام حدود القيم الإنسانية فلا يجوز أن يكون الرأى الذي يبديهالإنسان طعنا في الدين أو خروجا عليه فذلك مخالف للنظام العام في الدولة الإسلامية
4-حرية الكسب والتملك: مما لا شك فيه: أن العمل مكفول لكل الناس ، وقد حث الإسلام على العمل أيا كاننوعه ما دام من الأعمال المباحة ،{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [ البقرة : 168 ]
5 -حرية العقيدة: لقد أباحت شريعة الإسلام حرية الاعتقاد بمعني أنها لاتجبر أحداً علي اختيارمعتقد بعينه ، وعملت على صيانة هذه الحرية وحمايتها إلى أبعد الحدود { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } [ البقرة : 256 ]

إقرأ المزيد

حسن الظن بالله تعالى

حسن الظن بالله تعالى
 
د. مهران ماهر عثمان
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حسن الظن بالله تعالى

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد؛
فإنَّ من العبادات القلبيَّة التي ندب إليها ديننا: حسن الظن بالله، فما هو حسن الظن؟ وماذا فيه من فضل؟ وما مواطنه؟ وماذا يحمل عليه؟ وما الفرق بينه وبين الغرور؟ أسئلة ستكون الإجابات عنها مادةَ هذه المقالة بمشيئة الله.
 
معنى حسن الظن

توقُّع الجميل من الله تعالى.
 
الترغيب في حسن الظن بالله

1/ حسن الظن من حسن العبادة.
فعن أبي هريرة  رضي الله عنه ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن حسن الظن بالله تعالى من حسن العبادة» رواه أبو داود والترمذي.
2/ أن من أحسن ظنه بالله آتاه الله إياه.
ثبت عن أبي هريرة  رضي الله عنه  أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي» متفق عليه. وفي المسند عنه  رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل قال: أنا عند ظن عبدي بي، إنْ ظن بي خيراً فله، وإن ظن شراً فله».
والمعنى: "أعاملُه على حسب ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر"([1]).
وقال عبد الله بن مسعود  رضي الله عنه : "والذي لا إله غيرُه ما أُعطي عبدٌ مؤمن شيئاً خيراً من حسن الظن بالله عز وجل، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنَّه؛ ذلك بأنَّ الخيرَ في يده» رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن.
قال سهل القطعي رحمه الله: رأيت مالك بن دينار رحمه الله في منامي، فقلت: يا أبا يحيى ليت شعري، ماذا قدمت به على الله عز وجل؟ قال: قدمت بذنوب كثيرة، فمحاها عني حسن الظن بالله رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن.
 
مواطن حسن الظن بالله

ينبغي للمؤمن أن يحسن ظنه بالله في كل موطن وحال، فإنما نحن بالله، ولا حول ولا قوة لنا إلا به، ومن أشقى ممن وكله الله إلى نفسه؟ وأيُّ هلاكٍ ينتظره؟!
ويتأكد حسن الظن بالله في مواطن، منها:
 
عند الموت

فعن جابر  رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتَنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل» رواه مسلم.
ودخل واثِلَةُ بن الأسْقَع على أبي الأسود الجُرَشي في مرضه الذي مات فيه، فسلم عليه وجلس. فأخذ أبو الأسود يمين واثلة، فمسح بها على عينيه ووجهه، فقال له واثلة: واحدةٌ أسألك عنها.
قال: وما هي؟
قال: كيف ظنك بربك؟
فأومأ أبو الأسود برأسه، أي حسن.
فقال واثلة: أبشر؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» رواه أحمد.
وعن أنس  رضي الله عنه  أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت، فقال: «كيف تَجِدُكَ»؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمَنه مما يخاف» رواه الترمذي.
وفي كتاب المحتضرين لابن أبي الدنيا، قال حاتم بن سليمان: دخلنا على عبد العزيز بن سليمان وهو يجود بنفسه، فقلت: كيف تجدك؟ قال: أجدني أموت. فقال له بعض إخوانه: على أية حال رحمك الله؟ فبكى، ثم قال: ما نعول إلا على حسن الظن بالله. قال: فما خرجنا من عنده حتى مات.
 
عند الشدائد والكرب

فإنَّ الثلاثة الذين تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك لم يُكشف عنهم مابهم من كرب وضيق إلا بعدما أحسنوا الظن بربهم، قال تعالى: }لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{ [التوبة/ 117-118]. وتأمل في قوله: }وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه{، فلما أحسنوا الظن بالله رزقهم الله إياه.
 
عند ضيق العيش

ففي جامع الترمذي، عن ابن مسعود  رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقتُه، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشِكُ الله له برزق عاجل أو آجل». وإنزالها بالله: أن توقن وتظن أن الله تعالى يفرِّجُ عنك ويزيلها.
 
عند غلبة الدَّين

ومن عجيب ما قرأتُ في هذا الباب ما ثبت في صحيح البخاري من قول الزبير بن العوام لابنه عبد الله رضي الله عنهما: يا بني إن عجَزت عن شيء من ديني فاستعن عليه مولاي. قال عبد الله: فو الله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت من مولاك؟. قال: الله. قال: فو الله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، فيقضيه.

عند الدعاء
فعن أبي هريرة  رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» رواه الترمذي.
فإذا دعوت الله -أيها المؤمن- فعظم الرغبة فيما عنده، وأحسن الظن به.
وإني لأدعو الله حتى كأنني   ---    أرى بجميل الظن ما الله صانعُه

عند التوبة
 فعن أبي هريرة  رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم -فيما يحكي عن ربِّه عز وجل- قال: «أذنب عبد ذنبا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أنَّ له ربَّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. اعمل ما شئت فقد غفرت لك» رواه مسلم.
أي: ما دمتَ أنَّك تذنب وتتوب فإني أتوب عليك ولو تكرر الذنب منك.
وإني لآتي الذنب أعرف  قدره  --- وأعلم أن الله يعفو ويغــفرُ
لئن عظَّم الناس الذنوب  فإنها --- وإن عظمت في رحمة الله تصغُرُ
قال أحمد بن أبي الحواري: وقفت بجانب أبي سليمان الداراني وهو لا يراني، فسمعته يناجي ربَّه ويقول: "لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك، ولئن طالبتني بتوبتي لأطالبنك بسخائك، ولئن أدخلتني النار لأخبرنَّ أهلها أني أحبك" رواه البيهقي في شعب الإيمان.
 
فما الذي يحمل على حسن الظنِّ بالله؟

آية في كتاب الله: }وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا{ [الأحزاب/43].
فيحمل على حسن الظن رحمةُ الله التي وسعت كلَّ شيء..
يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه -فهو عنده فوق العرش-: إن رحمتي غلبت غضبي» رواه البخاري.
يأتي جبريلُ عليه السلام إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول: "لما أغرق الله فرعون قال: }آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل{ [يونس/90]، فلو رأيتني يا محمد وأنا آخذ من حال البحر([2]) فأدسُّه في فيه؛ مخافةَ أن تدركَه رحمة الله» رواه الترمذي.
السبية التي أضاعت صبيَّها، ماذا كان حالها بعدما وجدته؟ أخذته –أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه- وأغرقته بعطفها وحنانها، وملأت جسده بقبلاتها، واحتوته بصدرها، وبللت وجهه بدمعها، ورفرفت من الفرح أجنحةُ قلبها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار»؟ فقالوا: لا والله، وهي تقدِر على أن لا تطرحَه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أرحمُ بعباده من هذه بولدها» متفق عليه.
يخبرُ صلى الله عليه وسلم عن آخر أهل النار خروجاً منها ومحاورتِه لربه: «ربِّ اصرف وجهي عن النار؛ فإنه قد قَشَبَنِي([3]) ريحها وأحرقني ذكاؤها. فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه ثم يقول الله تبارك وتعالى: هل عسيتَ إن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا أسألُك غيره. ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله. فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب قدِّمني إلى باب الجنة. فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! فيقول: أي رب، ويدعو الله حتى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا، وعزتك. فيعطي ربه ما شاء الله من عهود ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام على باب الجنة انْفَهَقَت([4]) له الجنة، فرأى ما فيها من الخير والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت([5]) ثم يقول: أي رب أدخلني الجنة. فيقول الله تبارك وتعالى له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! فيقول: أي رب لا أكونُ أشقى خلقك. فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله تبارك وتعالى منه، فإذا ضحك الله منه قال: ادخل الجنة، فإذا دخلها قال الله له: تمنه. فيسأل ربه ويتمنى، حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله تعالى: ذلك لك، ومثله معه» متفق عليه.
فما أعظمَ رحمةَ الله! وما أوسع فضله!!
يقول سفيان الثوري رحمه الله: "ما أحبُّ أن حسابي جُعل إلى والدي؛ فربي خيرٌ لي من والدي" رواه البيهقي في شعب الإيمان.
أفلا يحمل هذا كلُّه المؤمن على أن يكون حسن الظن بربه؟؟
 
الفرق بين حسن الظن والغرور

حسن الظن الذي يثيب الله عليه هو الذي يحمل على أمرين: فعل الصالحات، وترك المنكرات.
وأما أن يدعي أحد أنه يحسن الظن بربه وهو سادر في غيِّه، منهمك في المعصية، تارك للفضائل والخيرات، فهذا عبد تسلَّط الشيطان عليه.
قال ابن القيم رحمه الله: "وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور، وأنَّ حسن الظن إن حمَل على العمل وحث عليه وساعده وساق إليه فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور، وحسن الظن هو الرجاء، فمن كان رجاؤه جاذباً له على الطاعة زاجراً له عن المعصية فهو رجاء صحيح، ومن كانت بطالته رجاءً ورجاؤه بطالةً وتفريطاً فهو المغرور"([6]).
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: وإحسان الظن بالله لابد معه من تجنُّب المعاصي، وإلا كان أمنًا من مكر الله، فحسن الظن بالله مع فعل الأسباب الجالبة للخير وترك الأسباب الجالبة للشر هو الرجاء المحمود. وأما حسن الظن بالله مع ترك الواجبات وفعل المحرمات فهو الرجاء المذموم، وهو الأمن من مكر الله"([7]).
فالمؤمن يجمع بين حسن الظن وحسن العمل والخوف من الله تعالى، ولا تعارض بين هذا كلِّه.
ثبت في سنن الترمذي، عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: }وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ{ [المؤمنون/60]. فقالت: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فقال لها نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا يا بنت الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يُقبل منهم، }أولئك الذين يسارعون في الخيرات{».
يقول أنس بن مالك  رضي الله عنه : "إني لأعرف اليوم ذنوبا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر" رواه أحمد.
ويقول عبد الله بن مسعود  رضي الله عنه : "المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا" رواه البخاري.
ويقول الحسن البصري رحمه الله: "إن المؤمن أحسنَ الظن بربه فأحسن العملَ، وإن الفاجر أساءَ الظن بربه فأساءَ العمل" رواه أحمد في الزهد.
اللهم املأ قلوبنا حسنَ ظن بك.
ربِّ صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمدُ لله رب العالمين.


------------------------------
[1] / تحفة الأحوذي (7/53).
[2] / طين البحر الأسود.
[3] / آذاني
[4] / انفتحت.
[5] / وأنى لسكوته أن يستمر! وأنى لصبره أن يبقى!!
[6] / الجواب الكافي، ص (24).
[7] / المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان (2/269).

إقرأ المزيد

وقفة مع النفس

وقفة مع النفس


إعداد / الشيخ : السيد طه

الحمد لله رب العالمين …جعل الإنسان في هذه الدنيا أمانة مستودعة وعارية مستردة يدعها إلي حين ثم يقبضها بعد حين ، وهو ذو الملك والملكوت والعزة والجبروت وهو الحي الذي لا يموت وهو الذي قهر العباد بكأس الموت فقال تعالي} قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8){ الجمعة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. خلق الخلق، فأحصاهم عددا وجعل مرجعهم ومآلهم إليه حيث توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون فقال تعالي}وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281){ البقرة وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم …. أعلم الناس بربه عز وجل وأتقاهم لله تعالي فقال صلي الله عليه وسلم }والذي نفسي بيده أني أتقاكم لله وأعلمكم به { متفق عليه. فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين …… أما بعــــــــد … فيا أيها المؤمنون ….
فمع طغيان المادية ، والذي أدي إلي إصابة الأمة أفرادا ومجتمعات بمرض ضعف الإيمان ، كان لابد لنا من علاج لهذه الداء العضال ، والمرض الخطير الذي أنهكنا حتي تمكن منا عدونا فأصابنا في مقتل ، ولأن الإيمان هو الكنز المفقود في حياتنا فكان لابد من وقفة مع النفس نصحح فيها أوضاعنا ، ونجدد فيها إيماننا كما روي عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم } إن الإيمان ليخلقُ في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم.{ رواه الطبراني والحاكم. لذلك كان حديثنا ( وقفة مع النفس ) وذلك من خلال هذه العناصر الرئيسية التالية ….

1ـ أحوال النفس في القرآن الكريم .
2ـ ضرورة تزكية النفس .
3ـ وسائل تزكية النفس .
4ـ الخاتمة .

العنصر الأول : أحوال النفس في القرآن الكريم :ـ

لقد أقسم الله سبحانه وتعالى بالنفس الإنسانية لأنها أعظم ما خلق وأبدع، وجعل قَسَمَه بها سابع قسم شمل خلق السموات والأرض. فقال تعالى} وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا(6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7) { (الشمس). ثم بيّن الله تعالى أنّه ألهم نفوسنا دوافع الخير ونوازع الشر قال تعالي} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{ (الشمس: 8)، ولكنّ هذا الخير وهذا الشر ليسا قدراً مسيطراً على شخصية الإنسان لا مندوحة عنه، بل بإمكان الإنسان أن يزكو بنفسه ويرقى بها، وبإمكانه أن ينحطّ بها ويتدهور بشأنها ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10) ﴾ (الشمس). لذا كان النبي يُكثر من هذا الدعاء: “اللهم آت نفسي تقواها وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها”.
أمّا أحوال النفس التي عرضها القرآن الكريم فهي:
1ـ النّفس الأمّارة بالسّوء:
وهي النفس التي تأمر الإنسان بفعل السيّئات والتي أخبر عنها القرآن الكريم في قوله تعالى} وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ(53){ يوسف.. فهي تأمر صاحبها بفعل كل رذيلة، تسيطر عليها الدوافع الغريزية، وتتمثل فيها الصفات الحيوانية، وتبرز فيها الدوافع الشريرة، فهي توجّه صاحبها بما تهواه من شهوات. وأخبر سبحانه وتعالى عن تلك النفس أنها أمّارة بصيغة المبالغة ، وليست آمرة لكثرة ما تأمر بالسوء، ولأنّ ميلها للشهوات والمطامع صار عادة فيها إلاّ إنْ رحمها الله عز وجل وهداها رشدها.
2ـ النفس اللوّامة:
هي التي أقسم بها الله تعالى في القرآن الكريم فقال تعالي} وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2){ القيامة. فاللوامة نفس متيقّظة تقيّة خائفة متوجّسة، تندم بعد ارتكاب المعاصي والذنوب فتلوم نفسها ، تبرز فيها قوة الضمير فتحاسب نفسها أولاً بأوّل، وهذه كريمة على الله، لذلك أقسم بها في القرآن. ومن أحسن الأقوال عن النفس اللوامة قول إمام التابعين الحسن البصري رضي الله عنه: “إنّ المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه؛ ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُماً ما يعاتب نفسه”.
3ـ النفس المطمئنة:
هي التي اطمأنت إلى خالقها، واطمأنت في بسط الرزق وقبضه وفي المنع والعطاء. وهي النفس المؤمنة التي استوعبت قدرة الله، وتبلور فيها الإيمان العميق والثقة بالغيب، لا يستفزها خوف ولا حزن، لأنها سكنت إلى الله واطمأنّت بذكره وأَنِسَت بقربه فهي آمنة مطمئنّة، تحسّ بالاستقرار النفسي والصحة النفسية، والشعور الإيجابي بالسعادة، رضيتْ بما أوتيتْ ورضي الله عنها فَحُق لها أن يخاطبها رب العالمين بقوله تعالي} ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29) وَادْخُلِي جَنَّتِي(30 ){ الفجر.
نفسٌ تمسّكت بالحق وسارت عليه هدىً ونبراساً لها في شؤون الحياة على الأرض. ولا يمكن حصول الطمأنينة الحقيقية إلا بالله وذكره كما قال تعالى} الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28){ الرعد. فإنّ طمأنينة القلب سكينة واستقرار بزوال القلق والانزعاج والاضطراب عنه، وهذا لا يتأتّى بشيء سوى بالله تعالى وذكره.
العنصر الثاني:ضرورة تزكية النفس :ــ
النفس البشرية كائن حيّ يتطور ويتغيّر، ولذلك يجب أن نغيّره باتجاه الأفضل، وينبغي أن نعلم أن التغيير يبدأ من الداخل، وعلينا أن نحفظ القانون الإلهي في التغيير والمتمثل في قوله تعالى} إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)11){ الرعد. فالنفس قد تكون تارة أمّارة وتارة لوّامة وتارة مطمئنّة في اليوم الواحد، بل في الساعة الواحدة يحصل لها هذا وذاك.
لذلك كانت تزكية النفس وتنميتها من أهم الضرورات لأن بتزكيتها يكون الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ،وبإهمال التزكية تكون الخيبة والخسارة ،فقال تعالي} وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10){ الشمس . وقال تعالى { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى(15)}الأعلى. لذا كانت إحدى المهـام التي بعث الله عزَّ وجلَّ الرسل من أجلها .. فكانت دعوة نبي الله إبراهيم عليه السلام {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(129)} البقرة. وقد استجاب الله عزَّ وجلَّ لدعوته فبعث لنا حبيبنا محمد ليقوم بهذه المهمة .. ولكنه سبحـــانه قدَّم التزكيــــة على العلم، كما جاء في كتابــه الكريــم .. قال تعالى {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151)} البقرة.. ثمَّ قال تعالى {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(164)} آل عمران.. وقال عزَّ وجلَّ {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(2)} الجمعة. فالتزكية قبل العلم .. لأن التزكية تُطهِّر القلب حتى يكون مؤهلاً لتقبُل العلم والعمل به، وحينها لن يحول بينه وبين الهداية قواطع وموانع .. وآفات النفوس كالكبر والعُجب تقطع على المرء طريقه إلى الهداية، مما يؤدي إلى اعوجاجه وتوقفه عن العمل .. ولكن التزكية تُحرر النفس من تلك الآفات وتجعله ينتفع بما يتعلَّم .. فلا ينبغي أن تُقدِم شيئًا على تزكية نفسك ومعرفة عيوبها والشروع في إصلاحها. وبالتزكية يتحقق القلب بالتوحيد والإخلاص .. ويصل للمنازل العالية من الصبر والشكر والخوف والرجاء والمحبة لله سبحانه وتعالى والصدق مع الله، ويتخلى عن الرياء والعجب والغرور والغضب وغيرها من آفات النفوس .. ولقد كان السلف الصالح يولون أمر تزكية النفس وتطهير القلب اهتماما بالغًا، ويقدمونها على سائر الأمور .. فكيف نزكي أنفسنا ؟؟؟
العنصر الثالث : من وسائل تزكية النفس :ـ
1ـ اليقين بالموت . 2ـ تذكر الخاتمة. 3ـ معايشة يوم الحساب وما فيه من أهوال.
1ـ اليقين بالموت وما بعده :ــ
لَقَد كَتَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَينَا مَهمَا فَرَرنَا وَتَوَقَّينَا أَن نَصِيرَ إِلَيهِ قال تعالي } قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(8) {الجمعة. وقال تعالي } حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ )61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62){ الأنعام. وقال تعالي قال تعالي} إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(4){ يونس . وقال تعالي } وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى(42){ النجم.
إِنَّهُ يَومٌ مَشهُودٌ وَلِقَاءٌ مَوعُودٌ، بَعدَ لَحظَةٍ حَاسِمَةٍ قَاصِمَةٍ، تَنقُلُ أَحَدَنَا مِن دَارِ العُبُورِ وَالغُرُورِ، إِلى دَارِ السُّرُورِ أَوِ الشُّرُورِ، لَحظَةٌ تُلقَى فِيهَا آخِرُ النَّظَرَاتِ عَلَى الأَبنَاءِ وَالبَنَاتِ، وَيُوَدَّعُ فِيهَا الإِخوَانُ وَالأَخوَاتُ، وَتَبدُو عَلَى الوَجهِ فِيهَا مَعَالِمُ السَّكَرَاتِ، وَتَخرُجُ مِن صَمِيمِ القَلبِ الزَّفَرَاتُ وَتَغرَقُ العَينُ بِالعَبَرَاتِ، لَحظَةٌ يُؤمِنُ فِيهَا المُلحِدُ وَالكَافِرُ، وَيُوقِنُ عِندَهَا الفَاسِقُ وَالفَاجِرُ، وَتَظهَرُ حَقَارَةُ الدُّنيَا وَقِصَرُهَا وَهَوَانُ أَمرِهَا، وَيُحِسُّ مُلاقِيهَا أَنَّهُ فَرَّطَ في جَنبِ اللهِ كَثِيرًا، فَيُنَادِي بِلِسَانِ النَّادِمِ المُتَحَسِّرِ كما قال تعالي } رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ (100){ المؤمنون. وقال تعالي } رَبِّ لَولا أَخَّرتَني إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالحِينَ { المنافقون . هُنَالِكَ يَدنُو مَلَكُ المَوتِ فَيُنَادِي} يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28){ الفجر. أَو يَقُولُ وَهُوَ يَنزِعُ الرُّوحَ نَزعًا: “يَا أَيَّتُهَا النَّفسُ الخَبِيثَةُ، اُخرُجِي إِلى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ. وَحِينَئِذٍ تَبرُدُ الأَعضَاءُ، وَيَسكُنُ القَلبُ وَالأَحشَاءُ ﴿ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ(29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ(30){ القيامة. ثم تُرفَعُ الرُّوحُ والصَّحَائِفُ بِالحَسَنَاتِ في أَعلَى عِلِّيِّينَ، أَو تُطرَحَانِ بِالسَّيِّئَاتِ في أَسفَلَ سَافِلِينَ، وَيَصِيرُ العَبدُ في عِدَادِ الأَموَاتِ، كَأَن لم يَكُنْ عَاشَ في الدُّنيَا وَلا دَرَجَ، وَلا دَخَلَ يَومًا فيها وَلا خَرَجَ، وَكَأَنَّهُ لم يَرَ بِعَينٍ وَلم يَسمَعْ بِأُذُنٍ. وقد أوصانا النبي صلي الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الموت ، فقال صلى الله عليه وسلم} أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت، فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه{ رواه البيهقي وحسنه الألباني.
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشِرَ عَشَرَةٍ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ وَأَحْزَمُ النَّاسِ ؟ فَقَالَ : أَكْثَرَهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَشَدُّهُمُ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ، أُولَئِكَ هُمُ الأَكْيَاسُ ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الآخِرَةِ. رواه ابن ماجه، والطبراني في الصغير . وقال القرطبي رحمه الله في كتابه التذكرة: قال العلماء : تذكر الموت يردع عن المعاصي ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا و يهون المصائب فيها. انتهى. وقال القرطبي في التذكرة أيضا : قال الدقاق: من أكثر من ذلك الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضي بالكفاف، والتكاسل في العبادة.
2ـ تذكر الخاتمة :ـ يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله في “الثبات عند الممات” “قد خُذِل خلقٌ كثير عند الموت، فمنهم مَن أتاه الخِذلانُ في أول مرضِه، فلم يستدرك قبيحًا مضى، وربما أضاف إليه جورًا في وصيتِه، ومنهم مَن فاجأه الخِذلانُ في ساعةِ اشتداد الأمر، فمنهم مَن كفر، ومنهم مَن اعترض وتسخَّط، نعوذ بالله من الخِذلان، وهذا معنى سوء الخاتمة؛ وهو أن يغلب على القلب عند الموت الشك أو الجحود، فتُقبَض النفس على تلك الحالة، ودون ذلك أن يتسخَّط الأقدار”. انتهي كلام ابن الجوزي. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في “صحيح البخاري””: ((إنما الأعمال بالخواتيم))، ويكمن خطر هذه الكلمة في أن العبدَ عند الموت يكون في غاية الضعف؛ فهو يعاني من ألم النزع، والخوف من خطر ما هو مُقبِل عليه عند الموت، وكذا هجوم إبليس عليه بخَيْله ورَجله، ويقول إبليس لأعوانه: دونكم هذا الرجل، إن أفلت منكم اليوم لا تدركونه. فهذه فتنة عظيمة لا يَثبُت فيها إلا المؤمن الصادق، الذي استقام على دين الله – تعالى – قال تعالى} يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ(27){ إبراهيم. ففي هذه الفتنة يُثبِّت الله قلوبَ المؤمنين الصادقين، وتنتكسُ فيها قلوبُ المنافقين والمفرِّطين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوَّذ بعد التشهُّد الأخير في الصلاة من أربعٍ، فيقول }اللهم إني أعوذُ بك من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وشر فتنة المسيح الدجال{ (رواه البخاري ) وفتنة المحيا: هي التي يتعرَّض لها العبد في هذه الحياة الدنيا، وهي فتنة متنوعة. وفتنة الممات: هي الفتنة التي تنزل بالمرء عند السكرات والكُرُبات، والإقبال على ربِّ الأرض والسموات، نسأل الله الثبات عند الممات. وقد حذرنا النبي صلي الله عليه وسلم من الخاتمة فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم } ….فوالذي لا إلهَ غيره، إن أحدَكم ليعملُ بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبقُ عليه الكتاب، فيعمل بعملِ أهل النار فيدخلُها، وإن أحدَكم ليعملُ بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبقُ عليه الكتاب، فيعملُ بعمل أهل الجنة فيدخلها{؛ (رواه مسلم ) وفي “صحيح البخاري” من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: “إن النبي – صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون، وفي أصحابه رجلٌ لا يدع شاذَّة ولا فاذَّة إلا اتَّبعها يضربُها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحدٌ كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هو من أهل النار) ، فقال رجل من القوم: أنا أصاحبه، فاتَّبعه، فجُرِح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه على الأرض وذبابَه بين ثَدْيَيه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسَه، فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله، وقصَّ عليه القصة، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليعملُ بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعملُ بعملِ أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة، إنما الأعمال بالخواتيم) وفي رواية عند الطبراني في “الكبير” أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تعجبوا بعملِ عاملٍ حتى تنظروا بم يُختَم له) ومن هنا كان خوف العارفين، وقد كان أكثر دعاء النبي الأمين صلى الله عليه وسلم (يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك) ، فقال له أنس بن مالك رضي الله عنه :يا نبي الله، آمنَّا بك وبما جئتَ به، فهل تخاف علينا؟ قال:(نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُقلِّبُها كيف يشاء) كلماتٌ قطَّعت قلوبَ الصالحين، وأطارت النوم من أعينِهم، وحُقَّ لهم ذلك، فكم سمعنا عمَّن آمَن ثم كفر، وكم رأينا مَن استقام ثم انحرف، وكم مَن شارف مركبُه ساحلَ النجاة، فلما هَمَّ أن يرتقي لَعِب به الموج فغَرِق. فالحذر الحذر من السهو والغفلة من الخاتمة لأن بها يحدد مصير الإنسان ،قال تعالي }إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76){ طه.
3ـ معايشة يوم الحساب وما فيه من أهوال :ــ من الأشياء التي تكون سببا في تزكية النفس وطهارة القلب معايشة يوم الحساب ، فالناس يعيشون في الدنيا وينسون يوما لا بد منه هذا اليوم لو عشناه بقلوبنا لحلت كل مشاكلنا وما رأينا مظلوما علي وجه الأرض ،يوم أن يفصل الله عز وجل بين الخلائق ويعطي لكل ذي حق حقه ،هذا اليوم هو يوم الحساب . قال تعالي }يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ،اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب(16){ غافر يوم الحساب يوم جليل خطبه، عظيم خطره، بل هو اليوم الذي ليس قبله مثله ولا بعده مثله، والكل ظاهر ومكشوف فلا زيف ولا خداع ولا كذب ولا رتوش، وجاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه تعالى يطوي السماوات والأرض بيده، ثم يقول: أنا المالك، أنا الجبار، أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ لمن الملك اليوم، لمن الملك اليوم، لمن الملك اليوم، ثم يجيب نفسه لله الواحد القهار)
يوم عبوس قمطرير شره……. وتشيب منه مفارق الولدان هذا بلا ذنبُ يخاف مصيره…… كيف المصرُ على الذنوبِ دهورُ
قال اللهُ عز وجل}فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا)17){ . المزمل وذلك هو يوم الحساب ويوم الجزاء. فما الحساب؟ وما هي صفته؟ وعلى ماذا يحاسب الله تعالى العباد؟ يوم الحساب: هو محكمة العدل الإلهية التي يقضي فيها رب العزة سبحانه بين خلقه وعباده وينبغي أن تعلم أن يوم القيامة: يوم يجمع الله فيه الأولين، والآخرين للحساب}قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم(50) {الواقعة. وقال تعالي }ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه(9){آل عمران. يوم تتكشف فيه الحقائق والأستار، فالكل مكشوف النفس والعمل والمصير}يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية(18){ الحاقة. يوم يشيب من هوله الوليد، وتذهل الأم الحنون عن طفلها، وتسقط فيه الحامل حملها (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم(1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد(2){ الحج. روى الترمذي عن عمران بن حصين أن النبي صل الله عليه وسلم لما نزلت } يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم إلى قوله ولكن عذاب الله شديد} قال : أنزلت عليه هذه الآية وهو في سفر فقال : (أتدرون أي يوم ذلك ؟
فقالوا : الله ورسول أعلم ؛ قال : ذاك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار قال يا رب وما بعث النار قال تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة). فأنشأ المسلمون يبكون . وقال تعالي } فَتَوَلَّ عَنهُم يَومَ يَدعُ الدَّاعِ إِلى شَيءٍ نُكُرٍ(6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ )7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ(8) { القمر. يَخرُجُ العَبدُ مِن قَبرِهِ حَسِيرًا كَسِيرًا، لا ثَوبَ يُغَطِّيهِ، وَلا مَسكَنَ يُوَارِيهِ، حَافِيًا عَارِيًا، لا يَملِكُ قَلِيلاً وَلا كَثِيرًا، وَلا يَحمِلُ فَتِيلاً وَلا نَقِيرًا، قال تعالي } وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ(94){ الأنعام. إِنَّهُ يَومٌ يَجمَعُ اللهُ فِيهِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، فَتُنشَرُ الصُّحُفُ وَالدَّوَاوِينُ، وَتُنصَبُ المَوَازِينُ، لَقَدِ انَتَهَتِ الأَيَّامُ، وَتَبَدَّدَتِ الأَوهَامُ، وَضَاعَتِ الأَحلامُ، وَاجتَمَعَ الأَحبَابُ وَالخُصُومُ، وَسِيقَ الظَّالِمُ وَالمَظلُومُ قال تعالي }يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) عبس. وقال تعالي} يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ )12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ(13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14){ المعارج وقال تعالي } يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(42) {الدخان. وقال تعالي } يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19){ الانفطار. ﴿ يَومَ يَجمَعُكُم لِيَومِ الجَمعِ ذَلِكَ يَومُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤمِنْ بِاللهِ وَيَعمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئسَ المَصِيرُ(10){ التغابن أيها المسلمون .. استعدوا لموقف الحساب وقد حذرنا الله تعالي منه فقال تعالي} وَاتَّقُوا يَومًا تُرجَعُونَ فِيهِ إِلى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفسٍ مَا كَسَبَت وَهُم لا يُظلَمُونَ (281){البقرة. ففيه ينقسم الناس فريقين فريق في جنات النعيم وفريق في عذاب مهين. قال تعالي } الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ(57){ الحج.
وأما صفة الحساب: فلا بد لكل محكمة من حاكم يحكم ويقضي،وقضية ، وشهود يشهدون، ومتهم وأرض يقام عليها الحكم. أولا : أما الحاكم : ـ فهو الله جل جلاله، جبار الأرض والسماء، تباركت أسماؤه وعظمت صفاته الذي يعلم السر وأخفى، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، الخالق لكل شيء سبحانه وتعالى ويبدأ الأمر:
1ـ بنفخ إسرافيل في الصور بأمر الله سبحانه فتصعق الخلائق كلها وتموت قال تعالي } ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض(68){ الزمر
2ـ إحداث تغير عام في الكون فتنشق السماء وتتناثر النجوم وتتصادم الكواكب وتتفتت الأرض قال تعالي }إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت(3) { التكوير. كورت أي ظلمت، انكدرت: أي تناثرت، وسيرت: أي حركت وصارت كالهباء.
3ـ ينفخ إسرافيل في الصور بأمر الله سبحانه فتقوم الخلائق للحشر، قال تعالي }ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68){ الزمر.
4ـ نزول عرش الرحمن جل جلاله:قال تعالي} وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17){ الحاقة. أي يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، وللحديث: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام).
5- ثم يشرق على الأرض نور الحق جل جلاله: قال تعالي } وأشرقت الأرض بنور ربها(69){ الزمر. أي أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء.
6- ثم مجي الحق سبحانه مجيئا يليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه الكبير المتعال قال تعالي }كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا(22){ الفجر. وأما صفة حكمه جل جلاله سبحانه العدل المطلق:قال تعالي } فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ( 7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( 8){ الزلزلة أ- فلا ظلم قال تعالي }ولا يظلم ربك أحدا(49){ الكهف ب- ولا أنساب قال تعالي } فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101){المؤمنون. أي لا تنفع الإنسان يومئذ قرابة ولا يرثي والد لولده يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد: ألا من كان له مظلمة فليجئ ليأخذ حقه، قال: فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرا).
ج- ولا رشوة لتغير صورة الحكم، فالحاكم هو الغني المتعال والكل مفتقر إليه سبحانه،قال تعالي }يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد(15){ فاطر.
د- ولا تهديد ولا ضغوط: فالحاكم هو القوي سبحانه ، قال تعالي }إن القوة لله جميعا(165) البقرة. وقال تعالي }إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) {مريم . فالكل ضعيف وعبد.
ثانيا :الشهود:ــ وأما الشهود فهم كثير فلا مكان للإنكار والكذب والمراوغة .
أ- وأعظمهم شهادة هو الله سبحانه الله جل جلاله ، قال تعالي} مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7){ المجادلة
ب- الرسل عليهم الصلاة والسلام ويشهد للرسل سيدنا وحبيبنا رسول الله صلي الله عليه وسلم للحديث: (يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من أحد. فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، ثم أشهد لكم)
ج- الملائكة :قال تعالي }إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد(17){ ق. يقول الحسن البصري رحمه الله: (يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا وقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك ).
د- الجوارح قال تعالي } وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء (21) {فصلت. وعن أنس رضي الله عنه قال: (كنا عند النبي صلي الله عليه وسلم فضحك فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: من مخاطبة العبد ربه فيقول: يا رب ألم تجرني (تحفظني) من الظلم؟ يقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدا إلا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، والكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه ويقول لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكنّ وسحقا فعنكنّ كنت أناضل).
هـ- الأرض: قال تعالي }يومئذ تحدث أخبارها(4){ الزلزلة. قرأ رسول الله صلي الله عليه وسلم هذه الآية: (يومئذ تحدث أخبارها ) قال: (أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمةٍ بما عمل على ظهرها أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا فهذه أخبارها).
و- التسجيل الكامل كما ذكر بعض العلماء: لقوله تعالى }يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ،فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ،ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [الزلزلة:7-8]. وتعرض الأعمال عرضا حيا ناطقا، فسيرى المرء عمله وهو يباشره ويا للفضيحة. اللهم إنا نسألك ستر الدارين، اللهم إنا نعوذ بك من خزي الدنيا والآخرة، يا رب العالمين.
ثالثا : المتهم:ــ هو الإنسان الذي خلقه الله بيده، وأسجد له الملائكة، وكرّمه على كثير ممن خلق، سخر الكون له، وأرسل له الرسل، وأنزل له الكتب، وجعل له واعظا من عند نفسه بالفطرة التي فطر الله الناس عليها على معرفته سبحانه وحذره من الشيطان وطاعته ثم يستقبل الإنسان ذلك كله بالسخرية قال تعالي} يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30){ يس. ويجعل من الشيطان ربا يعبده من دون الله قال تعالي } أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62){ يس. ويمر بآيات الله الدالة عليه سبحانه معرضا، قال تعالي}وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105){ يوسف. يمن الله عليه بالنعم فيزداد طغيانا قال تعالي } كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ (7){الأعلى. الإنسان الذي إذا أحاطت به الخطوب تذكر ربه وإذا كان في نعمة غفل وكفر قال تعالي }وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54){ النحل.
رابعا : وأما أرض المحكمة: قال تعالي }يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار)48){ إبراهيم. عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول(يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي) قال سهل – أو غيره ليس فيها معلم لأحد) رواه مسلم قال البرديسي: (يريد عليه الصلاة والسلام أرضاً مستوية، لا جبل فيها, ولا أكمة, ولا ربوة, ولا وهدة، أرض بيضاء نقية، لم يسفك عليها دم، ولا عمل عليها خطيئة، ولا ارتكب فيها محرم. فهي أرض أخرى غير أرضنا لم تطأها قدم من قبل، ولم تعمل عليها خطيئة، ولم يسفك عليها دم، أرض طاهرة من ذنوب بني آدم وظلمهم، طهر يتناسب وطهر القضاء. خامسا : القضايا وكيفية الحساب:ـ وأما على ماذا يحاسب الله تعالى العباد: فاعلم أن الحساب سوف يكون مشافهة: فكل عبد يعرض على ربه، ويتولى سبحانه حسابه بنفسه يقول النبي صلي الله عليه وسلم }ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم، ثم ينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمره{ والحساب إما أن يكون يسيرا: وذلك بأن يعرض على العبد عمله بحيث لا يطلع عليها أحد ثم يعفو عنه ويأمر به إلى الجنة يقول النبي صلي الله عليه وسلم }يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه (أي يستره ولا يفضحه) فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: أعملت كذا وكذا فيقول: نعم، فيقرره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى صحيفة حسناته{. وأما أن يكون الحساب عسيرا وذلك لمن كثرت معاصيه فذلك الذي يناقش الحساب ويسأل عن كل صغيرة وكبيرة يقول صلي الله عليه وسلم : (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أليس قد قال الله : (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا)؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب). والمراد بالمناقشة الاستقصاء في المحاسبة والمطالبة بالجليل والحقير وترك المسامحة، والحساب يتناول كل شيء:ــ
1ـ العمر والمال والجسم والعلم:ـ لقول النبي صلي الله عليه وسلم : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه). أخرجه الترمذي
2ــ عن النعم وشكرها :ـ قال تعالي } ثم لتسألن يومئذ عن النعيم(8){ التكاثر. قال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا. ولقوله صلي الله عليه وسلم ( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي الْعَبْدَ مِنْ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ : أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ ) أخرجه الترمذي وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي”
3ـ عن الحواس واستعمالها:ـ قال تعالي }إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) {الإسراء. قال ابن عباس: يسأل الله العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم.
4ـ عن الفرائض من صلاة وزكاة: يقول النبي صلي الله عليه وسلم:(إن أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة وآخر ما يبقى الصلاة، وأول ما يحاسب به الصلاة ويقول الله: انظروا في صلاة عبدي، قال: فإن كانت تامة كتب تامة، وإن كانت ناقصة يقول: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن وجد له تطوع تمت الفريضة من التطوع، ثم قال: انظروا: هل زكاته تامة؟ فإن كانت تامة كتبت تامة، وإن كانت ناقصة قال: انظروا هل له صدقة فإن كانت له صدقة تمت له زكاته).رواه أبوداود
5ـ عن الدماء والقتل: لقول النبي صلي الله عليه وسلم: (أول ما يقضى بين بالناس يوم القيامة في الدماء) رواه ابن ماجه . ولقوله صلي الله عليه وسلم أيضا: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركا أو يقتل مؤمنا متعمدا).رواه ابن ماجه
6ـ السؤال عن المسؤولية والأمانة: قال تعالي } وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24){ الصافات.. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه .
7ـ عن الكلمة :ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ) إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ( رواه البخاري
و ما من كاتب إلا ستبقى كتابتـه وإن فنيـت يداه فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه.
8ـ عن الحقوق والمظالم:ـ عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا ؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا ؟ قَال بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) رواه أحمد في المسند بسند حسن .
وفي الختام :ـ إن النجاةَ والمخرجَ في محاسبة النفس والوقوف معها وقفة جادة. لذلك حذرنا الله تعالي في آخر آية من الذكر الحكيم فقال تعالي }وَاتَّقُوا يَومًا تُرجَعُونَ فِيهِ إِلى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفسٍ مَا كَسَبَت وَهُم لا يُظلَمُونَ (281){ البقرة. وَاحذَرُوا أَن تَكُونُوا مِمَّن أَردَتهُم ظُنُونُهُم فَأَطلَقُوا في المَعَاصِي جَوَارِحَهُم، فَخَابُوا وَنَدِمُوا قال تعالي } وَذَلِكُم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُم أَردَاكُم فَأَصبَحتُم مِنَ الخَاسِرِينَ (23) فَإِن يَصبِرُوا فَالنَّارُ مَثوًى لَهُم وَإِنْ يَستَعتِبُوا فَمَا هُم مِنَ المُعتَبِينَ(24){ فصلت.
فاللهم آت نفوسنا تقواها وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها ، واجعلنا من أصحاب النفوس المطمئنة الراضية ، واجعلنا في موقف الحساب من الآمنين مع الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون . اللهم آمين يارب العالمين .
تمت بفضل الله ورحمته

إقرأ المزيد