‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات غن الصلاة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات غن الصلاة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 1 أكتوبر 2016

ثمرات الصلاة

http://www.wathakker.info/flyers/images/covers/cover_699.jpg

 

ثمرات الصلاة

عبدالمجيد عبده طه النهاري
 
الحمد لله الذي جعل الصلاة نورًا للمتقين، وعونًا للسالكين، وهدايةً للضالِّين، وفرقًا بين الأولياء والمُعرِضين، والصلاة والسلام على سيد القانتين، وإمام الأوَّابين، وعلى آله وأصحابه المستغفرين، ومَن سار على نهجهم من التابعين.
 
وبعد:
أخي المسلم، إن لكلِّ شيءٍ ثمرةً، ولا يرتفع شأنه إلا بقدرِ نضوج ثمرته وحسن جودتها، ويقاس العمل الناجح بقدر إتقانه، وبقدر الفوائد المترتبة، هذا في أمور الدنيا، فكيف بأمور الآخرة، يجب على العبد أن يكون أشدَّ حرصًا واهتمامًا بزرعه؛ لكي يحصد ثمرته راضيًا مطمئنًّا.
 
أخي المسلم، لن تَجنِي ثمارَك الدنيوية والأخروية، ولن تتلذذ بصلاتك إلا إذا أتقنتَها، وقمتَ بها حقَّ القيام، والتزمتَ بشروطها وأركانها وواجباتها، واجتنبت مكروهاتها ومُبْطِلاتها، وخشعتْ فيها، وخضعتْ لربِّك، واستسلمتَ لخالقِك فيها، ونبذتَ عَلائق الدنيا وراء ظهرك عند دخولك بيت ربِّك، وقهرت عدوَّك إبليس باطمئنانِك.
 
قال ابن القيم:
"فاعلم أنه لا ريبَ أن الصلاةَ قرَّة عُيون المحبِّين، ولذَّة أرواح الموحِّدين، وبستان العابدين ولذَّة نفوس الخاشعين، ومحكُّ أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهي رحمةُ الله المهداة إلى عباده المؤمنين هداهم إليها، وعرَّفهم بها، وأهداها إليهم على يدِ رسوله الصادق الأمين، رحمةً بهم، وإكرامًا لهم؛ لينالوا بها شرفَ كرامته، والفوز بقربه، لا لحاجةٍ منه إليهم، بل منَّة منه وتفضُّلاً عليهم، وتعبَّد بها قلوبَهم وجوارحهم جميعًا، وجعل حظَّ القلب العارف منها أكملَ الحظَّين وأعظمَهما؛ وهو إقباله على ربِّه - سبحانه - وفرحه وتلذُّذه بقربه، وتنعُّمه بحبه، وابتهاجه بالقيام بين يديه، وانصرافه حال القيام له بالعبودية عن الالتفات إلى غير معبوده، وتكميله حقوق عبوديته ظاهرًا وباطنًا حتى تقع على الوجه الذي يرضاه ربُّه - سبحانه"؛ أسرار الصلاة لابن القيم ص 55 - 56.
 
وقال نصر بن محمد السمرقندي:
"واعلم أن مثلَ الصلاة كمثلِ مَلِكٍ اتَّخذ عرسًا، فاتَّخذ وليمةً وهيَّأ فيها ألوانًا من الأطعمة والأشربة، لكل لون لذة، وفي كل لون منفعة؛ فكذلك الصلاة دعاهم الربُّ إليها، وهيَّأ لهم فيها أفعالاً مختلفة، وأذكارًا، فتعبَّدهم بها ليلذَّهم بكل لونٍ من العبودية؛ فالأفعال كالأطعمة، والأذكار كالأشربة"؛ تنبيه الغافلين للسمرقندي ص 147.
 
وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "لا تنفعُ الصلاة إلا مَن أطاعها"، ثم قرأ عبدالله: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]؛ مصنف ابن أبي شيبة 13/298.
 
وقال الحسن البصري - رحمه الله -:
"يا بن آدم، إنما الصلاةُ التي تَنْهَاك عن الفحشاء والمنكر، فإن لم تَنْهَك صلاتُك عن الفحشاء والمنكر، فإنك لستَ تصلِّي!".
 
وهذا أبو هريرة - رضي الله عنه - يقول: "إن الرجل ليصلي ستِّين سنة ولا تُقبَل منه صلاةٌ, فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: لا يتم ركوعَها، ولا سجودها، ولا قيامها، ولا خشوعها"؛ السلسلة الصحيحة برقم (2535) - 6/34.
 
وعن زيد بن وهب، قال:
دخلتُ مع حذيفةَ المسجد فرأى رجلاً يصلِّي لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال له حذيفة: "منذ كم صليتَ؟"، قال: منذ أربعين سنةً، فقال له حذيفة: "ما صليتَ، ولو متَّ متَّ على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فإن الرجل قد يخفِّف صلاته، ويتم ركوعها وسجودها"؛ شعب الإيمان 4/489.
 
ويقول الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -:
"يأتي على الناس زمانٌ يصلُّون وهم لا يصلُّون, وإني لأتخوَّف أن يكون الزمان هو هذا الزمان!".
 
ثمرات الصلاة كثيرة، ولكن سنذكر بعضًا منها:
1- أمانٌ من الكفر والنفاق:
عن جابر بن عبدالله الأنصاري - رضي الله عنه - عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة))؛ رواه مسلم برقم (82).
 
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمونَ ما فيهما لأَتَوهما ولو حبوًا، لقد هممتُ أن آمرَ المؤذِّن فيُقِيم، ثم آمر رجلاً يؤم الناس، ثم آخذ شعلاً من نارٍ فأحرق على مَن لا يخرج إلى الصلاة بعد))؛ صحيح البخاري برقم (621)، وصحيح مسلم برقم (1047).
 
2- الصلاة راحة وطمأنينة:
عن علي - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لبلالٍ: ((قُمْ يا بلال؛ فأرحنا بالصلاة))؛ صحيح أبي داود 4172.
 
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((حبِّب إليَّ النساء والطِّيب، وجُعِلت قرَّة عيني في الصلاة))؛ سنن النسائي برقم (8577).
 
3- الصلاة نور:
عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الطهور شطر الإيمان... والصلاة نور... كلُّ الناسِ يغدو فبائعٌ نفسَه فمعتقُها أو مُوبِقُها))؛ رواه مسلم برقم (333).
 
وعن أنس بن مالك قال: قال - عليه الصلاة والسلام -: ((بشِّر المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنورِ التامِّ يوم القيامة))؛ سنن ابن ماجه برقم (773)، وصححه الألباني.
 
فلك من نورِ الله بقدر صلاتك، وتضاء طريقك بقدر صلاتك أيضًا.
 
4- الصلاة دواء من الغفلة:
﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 205]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (( لن يَلِجَ النارَ أحدٌ صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبِها))؛ رواه مسلم برقم (1009).
 
5- الصلاة تفريج للكربات:
عن حذيفة، قال : ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمرٌ صلَّى))؛ سنن أبي داود برقم (1126).
 
6- الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: قال - تعالى -:
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].
 
7- الصلاة حصن حصين:
عن جُنْدُب بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن صلَّى صلاةَ الصبح، فهو في ذمَّة الله، فلا يطلبنَّكم الله من ذمَّتِه بشيءٍ؛ فإنه مَن يطلبه من ذمته بشيءٍ يُدرِكه، ثم يكبُّه على وجهه في نار جهنم))؛ رواه مسلم برقم (657).
 
8- غفران الذنوب:
عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَثَل الصلوات الخمس كمَثَل نَهر جارٍ غمر على بابِ أحدكم يغتسل منه كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ)) قال: قال الحسن: ((وما يبقي ذلك من الدرن))؛ صحيح مسلم برقم (668).
 
وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: ((الصلواتُ الخمس، والجمعةُ إلى الجمعةُ، ورمضانُ إلى رمضان، مكفِّرات ما بينهن إذا اجتَنَب الكبائرَ))؛ رواه مسلم برقم (233).
 
9- إن صلحت صلح سائر العمل:
عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أولُ ما يُحَاسَب العبد يوم القيامة الصلاةُ، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله))؛ الأحاديث المختارة للمقدسي برقم (2305)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2573).
 
10- عهد عند الله بدخول الجنة:
كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ الله على العبادِ، فمَن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقِّهن، كان له عند الله عهدٌ أن يُدخِله الجنة))؛ رواه أبو داود برقم (1420)، وصححه الألباني.

إقرأ المزيد

الاستعانة بالصلاة


http://www.ydeaf.net/up/uploads/ydeaf_1377637452111.png

الاستعانة بالصلاة

الشيخ سليمان السلامة
أما بعد:
﴿ اتقوا الله عباد الله واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴾.
 
أيها المؤمنون:
بين أيدينا دعوة من الله دعوة لكل مسلم مهموم ومصاب دعوة لكل من اعتراه قلق وفزع دعوة لمن اشتدت عليه الشدائد وألمت به الملمات دعوة لمن يواجه طغيان الطغاة ومكر الماكرين وعدوان الظالمين إنها دعوة ربانيه للاستعانة بالصلاة.
 
نعم الاستعانة بالصلاة في مواجهة البلاء والضراء يقول ربنا جل جلاله ﴿ يا أيها الذين امنوا استعينوا بالصبر والصلاة ﴾.
 
وقد كان أنبياء الله كثيرا ما يفزعون إلى الصلاة عند نزول البلاء والواء روى الإمام أحمد عن صهيب رضي الله عنه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى همس شيئا لا نفهمه ثم قال: وكانوا "يعني الأنبياء" يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة).
 
ولقد كان لرسولنا صلى الله عليه وسلم مفزع عظيم إلى الصلاة في مواجهة أعداء الدعوة في السلم والحرب روى الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه في يوم بدر قال ((ولقد رايتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة يصلي ويبكي حتى أصبح)) وفي معركة بدر لما التحمت الصفوف وبدأت بالضرب السيوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يقول ابن مسعود رضي الله عنه : فما رأيت ناشدا ينشد حقا له أشد من مناشدة محمد صلى الله عليه وسلم ربه فهو يقول: اللهم اني أنشدك وعدك.
 
إخوة الإيمان:
وفي بداية إشراق نور الإسلام عانى رسول الله صلى الله عليه وسلم من استهزاء المشركين به وتألم وضاق صدره فيا ترى بماذا وجه الله نبيه لمواجهة استهزاء المشركين؟ اقرؤوا إن شئتم قول الباري عز وجل ﴿ ولقد نعلم أنه يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ ووجه الله نبيه كذلك لمواجهة طغيان أبي جهل بقوله تعالى ﴿ كلا لا تطعه واسجد واقترب ﴾ قال الإمام الشنقيطي صاحب تفسير أضواء البيان:
 
اعلم ان ترتيبه جل وعلا الأمر بالتسبيح والسجود على ضيق صدره صلى الله عليه وسلم بسبب ما يقولون له من السوء دليل على أن الصلاة والتسبيح سبب لزوال المكروه ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث نعيم بن همار رضي الله عنه –أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تعالى: يا ابن ادم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره).
 
فينبغي للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله تعالى بأنواع الطاعات من الصلاة وغيرها. وذكر الإمام جرير في تفسيره ما رواه ابن أبي حاتم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله: يا أهلاه!! صلوا صلوا.
 
وروى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ ذات ليلة فزعا وأمر بإيقاظ زوجاته للصلاة.
 
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: ((فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل)).
 
وهكذا كانت الصلاة مفزعا للصحابة عند الخوف والتغيرات الجوية فعن عبدالله بن النظر قال حدثني أبي قال: كانت ظلمه على عهد أنس قال: فأتيت أنسا فقلت: يا أبا حمزة هل كان يصيبكم مثل هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: معاذ الله إن كانت الريح لتشتد فنبادر إلى المسجد مخافة القيامة)).
 
فالله المستعان!! شتان بين حالنا وحال الجيل الأول من صحابه رسول الله فزع إلى المسجد وصلاة وخوف عند التغيرات الجوية، أما حالنا فغفلة وقسوة في القلوب إلا من رحم الله فرحماك ربنا رحماك.
 
عباد الله:
الصلاة عون على الصبر عند فقد الأبناء والآباء والأعزاء , روي أن ابن عباس نعي الى أخوه وهو في مسير مسافر فاسترجع وتنحى عن الطريق ثم صلى ركعتين ثم قام يمشي الى راحلته وهو يقول: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ ولذا قال الإمام الآجري وجماعة من العلماء أن من أصيب بمصيبة يصلي ركعتين.
 
الخطبة الثانية
فان الاستعانه بالصلاة علاج فعال لمواجهة الأزمات والمصائب إنها ينبوع دافق في متناول كل مؤمن يريد زادا للطريق وريا في الهجير,ومددا حين ينقطع المدد, ورصيدا حين ينفد الرصيد...
 
عباد الله:
الصلاة لها أثر فعال في تحمل المصائب ومواجهة طغيان الطغاة إنها صلة ولقاء بين العبد والرب صلة يستمد منها القلب قوة وزادا أنفس من أعراض الحياة الدنيا الصلاة معين يجدد الطاقة ويمد القلب بحبل الصبر الذي لا ينقطع ولذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم – إذا كان في الشدة قال: أرحنا بها يا بلال، بالصلاة يستمد المؤمن معية الله له بالتأييد والتثبيت والقوة والأنس والسلوان والاطمئنان إن المسلم ضعيف لا غنى له عن عون إلهي لمواجهة الابتلاءات، وفي الصلاة قوه على تحمل صدمات الفجائع والمصائب.
 
يا عبدالله إذا سمعت أذنك أو رأت عينك دماء المسلمين تسفك و ضاق صدرك وأهمك ذلك فافزع إلى الصلاة وادع الله لهم..
 
فهلا يا مسلمون كانت الصلاة مفزعنا؟!
هلا كانت الصلاة راحتنا؟!
يا كل مهموم ويا كل مصاب ويا كل ضائق صدره دونك الصلاة فهي مستراحك وراحتك، وجلاء همك يقول ربنا ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾.

إقرأ المزيد

الصلاة ومكانتها في الإسلام [ عربي-انجليزي]


http://www.alrassxp.com/uploaded37/52123/11382849428.gif

الصلاة ومكانتها في الإسلام

                                                  د. أمين بن عبدالله الشقاوي


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فقد عظَّم الإسلام شأنَ الصلاة، ورفع ذِكرَها، وأعلى مكانتَها، فهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان))[1].
 والصلاة هي أول ما يُسأل عنه العبدُ يوم القيامة، عن عبدالله بن قرط - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أول ما يُحاسب به العبدُ يومَ القيامةِ الصلاةُ، فإنْ صلحتْ، صلح سائرُ عمله، وإن فسَدَتْ، فَسَدَ سائِرُ عمله))[2].
 والصلاة هي الفارق بين المسلم والكافر؛ قال - تعالى -: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 11]. 
عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بين الرجلِ وبين الشركِ والكفرِ تركُ الصلاةِ))[3]. 
والصلاة حاجز بين العبد والمعاصي؛ قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45].

وكان من آخر وصايا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يعالج سكراتِ الموت: ((الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكتْ أيمانُكم))[4]. 
ولها فضائل عظيمة:
منها: أنها كَفَّارةٌ للخطايا والذنوب، قال - تعالى -: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود: 114]. 
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدِكم يغتسلُ منه كلَّ يوم خمسَ مرات، هل يبقى مِن درنه شيءٌ؟))، قالوا: "لا يبقى من درنه شيء"، قال: ((فذلك مثل الصلوات الخمس، يَمْحُو اللهُ بهن الخطايا))[5]. 
ومنها: أن هذه الصلاة نور للعبد، عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الطهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزانَ، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجة لك أو عليك، كلُّ الناس يغدو فبائعٌ نفسَه، فمعتِقُها أو مُوبقُها))[6].
ومنها: أن المسلم يبلغ بالصلاة والزكاة والصيامِ مقامَ الصدِّيقين والشهداء؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: كان رجلانِ من بني قضاعة أسلما مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستشهد أحدهما، وأُخِّر الآخرُ سَنةً، قال طلحة بن عبيدالله: فأُريتُ الجنةَ، فرأيتُ فيها المؤخَّرَ منهما أُدْخِلَ قبل الشهيد، فعجبتُ لذلك، فأصبحت فذَكرتُ ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو ذُكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة، أو كذا وكذا ركعة صلاة السنة؟))[7]. 
والصلاة يجب أن تؤدَّى في أوقاتها المحددة شرعًا؛ قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103].
قال البخاري: موقتًا وقته عليهم. 
وأداء الصلاة في وقتها من أحبِّ الأعمال إلى الله؛ عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألتُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: ((الصلاة على وقتها))، قال: ثم أي؟ قال: ((ثم بر الوالدين))، قال: ثم أي؟ قال: ((الجهادُ في سبيلِ الله))[8]. 
ومما جاء في التَّرْهِيبِ من تأخير الصلاة عن وقتها، حديثُ رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - الطويلُ، وجاء فيه: ((أتاني الليلةَ آتيانِ، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقتُ معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخرُ قائمٌ عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به في المرة الأولى، ثم قالا له: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة))[9]. 
وهذه الصلاة يجب أن تؤدَّى في بيوت الله - عز وجل - قال - تعالى -: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: 102].
فبيَّنت الآية وجوبَ صلاة الجماعة في حال الحرب، ففي حال السلم من باب أولى. 
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاةُ العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتَوهما ولو حبوًا، ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار))[10]. 
قال بعض أهل العلم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما همَّ بذلك إلا أن هؤلاء المتخلفين قد ارتكبوا ذنبًا عظيمًا. 
وجاء في ذِكر السبعة الذين يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظل إلا ظله: ((ورجلٌ قلبُه معلَّق بالمساجد))[11]، والمساجد بيوت الله، مَن دخلها فقد حلَّ ضيفًا على ربه، فلا قلب أطيب، ولا نفس أسعد من ضيف حلَّ على ربِّه في بيته وتحت رعايته، عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((المسجد بيتُ كل تقيٍّ، وتكفَّل الله لمن كان المسجد بيتَه بالروح والرحمة والجواز على الصراط، إلى رضوان الله إلى الجنة))[12]. 
وهذه الضيافة تكون في الدُّنيا بما يحصل في قلوبهم من الاطمئنان والسعادة والراحة، وفي الآخرة بما أعد لهم منَ الكرامة والنعيم. 
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المادة باللغة الإنجليزية

 


[1] "صحيح البخاري" (1/20)، رقم: (8)، و"صحيح مسلم" (1/45)، رقم: (16).
[2] رواه الطبراني في "الأوسط" (2/240)، برقم: (1859)، وصححه الشيخ الألباني - رحمه الله - في "الصحيحة"، برقم: (1358).
[3] "صحيح مسلم" (1/88)، برقم: (82).
[4] "سنن ابن ماجه" (2/900)، برقم: (2697).
[5] "صحيح البخاري" (1/184)، برقم: (528)، و"صحيح مسلم" (1/463)، برقم: (667).
[6] "صحيح مسلم" (1/203)، برقم: (223).
[7] "مسند الإمام أحمد" (2/333).
[8] "صحيح البخاري" (1/184)، برقم: (527)، و"صحيح مسلم" (1/89)، برقم: (85).
[9] "صحيح البخاري" (4/311)، برقم: (7047).
[10] "صحيح البخاري" (1/218)، برقم: (657)، و"صحيح مسلم" (1/451)، برقم: (252).
[11] "صحيح البخاري" (1/219)، برقم: (660)، و"صحيح مسلم" (2/715)، برقم: (1031).
[12] الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" (6/254)، برقم: (6143)، قال المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب" (1/298): "رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" والبزار، وقال: إسناده حسن، وهو كما قال - رحمه الله". ا. هـ.
وحسنه الألباني - رحمه الله - في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/253)، برقم: (330).


إقرأ المزيد

الخشوع في الصلاة

 

الخشوع في الصلاة


 
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
 
وبعدُ:
فقد قال - تعالى -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2]، فلما ذَكَر بقيةَ صفاتهم، ذَكَر جزاءهم، فقال: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 10، 11].
 
قال الحَسَن البصري - رَحِمَه اللهُ - في قوله - تعالى -: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾، قال: كان خشوعُهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك أبصارَهم، وخفضوا لذلك الجناح[1].
 
قال ابن القيم: "علَّق الله فلاحَ المُصَلِّين بالخشوع في صلاتهم، فدلَّ على أنَّ مَن لم يَخْشَعْ فليس من أهل الفلاح، ولو اعتدَّ له بها ثوابًا، لكان من المفلحين"[2].
 
والخشوع يأتي بِمَعْنَى لِينِ القلب، ورقَّتِه، وسُكونِه، فإذا خَشَعَ القَلبُ تَبِعَه خشوعُ الجوارح؛ لأنَّها تابعةٌ له؛ عنِ النُّعمان بن بشير - رضِيَ الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صَلَحَتْ صَلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَدَ الجسدُ كله، ألا وهي القلب))[3].
 
ولذلك كان النبي - صلَّى الله عليه وسلم - في صلاته يقول: ((خشع لك سمعي، وبصري، ومُخي، وعَظمي، وعصبي))[4].
 
عن عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يوم، فنظر في السماء، ثم قال: ((هذا أوانُ العلم أن يُرْفَع))، فقال له رجل من الأنصار، يقال له: زياد بن لبيد: "أيُرفع العلمُ يا رسول الله، وفينا كتاب الله وقد علَّمناه أبناءنا ونساءنا؟!"، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن كنتُ لأظنُّك مِن أفقهِ أهلِ المدينة))، ثم ذَكر ضلالة أهل الكتابين، وعندهما ما عندهما من كتاب الله - عز وجل - فلقي جبيرُ بن نفيرٍ شدَّادَ بْنَ أَوْسٍ بِالمُصَلَّى، فَحَدَّثَهُ هذا الحديثَ عن عوف بن مالك، قال: صدق عوف، ثم قال: "فهل تدري ما رفعُ العلم؟"، قال: قلتُ: لا أدري، قال: ذَهاب أوعيتُه، قال: وهل تدري أيُّ العلم أوَّلُ أن يُرفع؟ قال : فقلتُ: لا أدري، قال: "الخشوع، حتى لا تكاد ترى خاشعًا"[5].
 
فإذا دخل المصلِّي المسجدَ بدأت الوساوسُ، والأفكارُ، والانشغالُ بأمور الدنيا في ذهنه، فما يشعر إلا وقد انتهى الإمامُ مِن صلاته، وحينئذٍ يتحسَّر على صلاتِه التي لم يَخشع فيها، ولم يَذُق حلاوتَها، وإنما كانت مجردَ حركاتٍ وتمتمات؛ كالجسد بلا روح.
 
قال ابن القيم - رحمه الله -: "صلاةٌ بلا خشوعٍ ولا حضورٍ؛ كبدنٍ ميِّتٍ لا رُوحَ فيهِ، أفلا يَسْتَحْيِي العَبْدُ أنْ يُهديَ إلى مخلوق مثلِه عبدًا ميِّتًا، أو جاريةً ميتة؟ فما ظنُّ هذا العبد أن تَقَعَ تلك الهَديَّةُ مِمَّن قَصَدَهُ بها مِن مَلِكٍ، أو أميرٍ، أو غيرِه؟! فهكذا سواء الصلاة الخالية عن الخشوع والحضور، وجمع الهِمَّة على الله - تعالى - فيها بمنزلة هذا العبد - أو الأَمَة - الميت، الذي يريد إهداءه إلى بعضِ الملوك؛ ولهذا لا يَقبَلها الله - تعالى - منه، وإن أسقطَتِ الفرضَ في أحكام الدنيا، ولا يثيبه عليها؛ فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقَلَ منها" اهـ[6].
 
قال بعضُهم: إنَّ الرجُلَيْنِ لَيكونانِ في الصَّلاةِ، وإنَّ ما بَيْنَهُما كما بين السماء والأرض[7].
 
وعن عمَّار بن ياسر - رَضِيَ الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى الله عليه وسلم - قال: ((وإن الرجل لَينصرف وما كُتِبَ له إلا عُشْرُ صلاتِه، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نِصفُها))[8].
 
والخشوعُ في الصلاة إنما يحصُل لِمَن فَرَّغَ قلبَه لها، واشتغل بها عمَّا عداها، وآثرَها على غيرها، وحينئذٍ تكون له قرةَ عين؛ عن أنس - رضي الله عنه - أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((حُبِّبَ إليَّ مِن الدُّنيا النساءُ والطِّيب، وجُعلتْ قُرَّة عيني في الصلاة))[9]؛ بل إنه - عليه الصلاة والسلام - كان إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلَّى، وكانَ يقولُ: ((قُمْ يا بلال، فَأَرِحْنا بِالصلاة))[10].
 
منَ الأُمُور التي تعين على الخُشُوع في الصلاة:
أولاً: أنْ يَسْتَحْضِرَ المُسْلِمُ عَظَمَةَ البارِي - سبحانه وتعالى - وأنه واقف بين يدي جبار السموات والأرض، قال - تعالى -: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: 67].
 
ثانيًا: أن ينظرَ المسلم إلى موضع السجود، ولا يَلتفتَ في صلاته؛ عن أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يزال الله مُقبِلاً على العبد في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا صَرَفَ وَجْهَهُ، انصرف عنه))[11].
 
ثالثًا: تدبُّر القُرْآنِ الكريم والأذكار التي يقولها في صلاته؛ قال - تعالى -: ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24].
فإذا تدبَّر المسلمُ أذكارَ الركوع والسجود، وغيرها منَ الأذكار، كان ذلك أوعى للقلب، وأقربَ للخُشُوع.
 
رابعًا: ذكر الموت في الصلاة؛ عن أبي أيوب - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا قمتَ في صلاتكَ، فصلِّ صلاةَ مُوَدِّع))[12].
 
خامسًا: أن يهيئ المصلِّي نفسَه، فلا يصلي وهو حاقن، ولا بحضرة طعام، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا صلاةَ بحضْرَةِ الطَّعامِ، ولا وهو يدافعه الأَخْبَثَانِ))[13]، وأن يُزيل كلَّ ما يَشغله في صلاته منَ الزخارف والصور ونحوها؛ عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي في خَمِيصَةٍ ذاتِ أعلامٍ، فنظر إلى عَلَمِها، فلما قضى صلاته قال: ((اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جَهْمِ بنِ حذيفةَ، وائتوني بأَنْبِجَانِيِّه؛ فإنها أَلْهَتْنِي آنفًا في صَلاتي))[14].
 
سادسًا: مُجَاهَدَة النفس في الخُشُوع، فالخُشُوع ليس بالأمر السَّهْل، فلا بد منَ الصبر والمجاهدة؛ قال - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69]، ومع الاستمرار والمجاهدة يَسهل الخُشُوعُ في الصلاة.
 
سابعًا: استحضار الثواب المُتَرَتِّب على الخشوع؛ عن عثمان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما مِن امرئٍ مسلم تَحضره صلاةٌ مكتوبة، فيُحسن وضوءها، وخشوعَها، وركوعَها، إلا كانتْ كفَّارةً لما قبلها منَ الذنوب، ما لم يُؤتِ كبيرةً، وذلك الدهرَ كلَّه))[15].
 
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - من أكثر الناس خشوعًا في الصلاة؛ قال عبدالله بن الشِّخِّير: "رأيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز الرَّحى من البكاء"[16].
 
وأبو بكر كان رجلاً بكَّاءً، لا يُسْمِع الناسَ من البكاء إذا صلَّى بهم[17]، وعمر - رضي الله عنه - صلى بالناس وقرأ سورة يوسف، فسُمِع نشيجُه من آخر الصفوف وهو يقرأ: ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84][18].
 
قال ابن القيم - رحمه الله -: "والناس في الصلاة على مراتبَ:
أحدها: مرتبة الظالِم لنفسه المفرِّط، وهو الذي انتقص من وضوئها، ومواقيتها، وحدودها، وأركانها.
الثاني: مَن يحافظ على مواقيتها، وحدودها، وأركانها الظاهرة، ووضوئها، لكن قَدْ ضَيَّعَ مجاهدةَ نفسه في الوسوسة، فذهَبَ مع الوساوس والأفكار.
الثالث: مَن حافَظَ على حدودها وأركانها، وجاهَدَ نفسَه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عَدوِّه؛ لئلا يسرق صلاتَه، فهو في صلاة وجهاد.
الرابع: مَن إذا قام إلى الصلاة أَكْمَلَ حُقُوقَهَا وأَرْكَانَهَا وحُدُودَهَا، واسْتَغْرَقَ قلبَه مُراعاةُ حُدودِها؛ لِئلا يضيِّع شيئًا منها؛ بل همُّه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبَه شأنُ الصلاة وعبوديةُ ربه - تبارك وتعالى - فيها.
الخامس: مَن إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا، قد أخذ قلبَه ووضعه بين يدي ربه - عزَّ وجلَّ - ناظِرًا بقلبه إليه، مُراقِبًا له، مُمْتَلِئًا من محبته وعظمته؛ كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلَّتْ تلك الوساوسُ والخطرات، وارتفعت حُجُبُهَا بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضلُ وأعظمُ مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه - عَزَّ وجَلَّ.
 
فالقِسم الأول: مُعاقَبٌ، والثاني: محاسَب، والثالث: مُكَفَّرٌ عَنْهُ، والرابع: مُثَابٌ، والخامس: مُقَرَّبٌ من رَبِّهِ؛ لأن له نصيبًا ممن جُعلَتْ قرةُ عينه في الصلاة، فمَن قَرَّتْ عينُه بصلاته في الدنيا، قَرَّتْ عينُه بقربِه من ربِّه - عز وجل - في الآخرة، وقرَّت عينُه أيضًا به في الدنيا، ومن قرَّت عينه بالله، قرتْ به كلُّ عين، ومَن لم تقرَّ عينُه بالله - تعالى - تَقَطَّعَتْ نفسُه على الدنيا حسرات"[19].
 
والحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

[1] "تفسير ابن كثير" (3/238).
[2] "مدارج السالكين" (1/526).
[3] "صحيح البخاري" (1/234)، برقم: (52)، و"صحيح مسلم" (3/1220)، برقم: (1599).
[4] قطعة من حديث في "صحيح مسلم" (1/53)، برقم: (771).
[5] "مسند الإمام أحمد" (6/26-27).
[6] "الوابل الصيب من الكلم الطيب" (ص11).
[7] "مدارج السالكين" (1/567).
[8] "سنن أبي داود" (1/211)، برقم: (796).
[9] "سنن النسائي" (7/61)، برقم: (3939).
[10] "سنن أبي داود" (4/297)، برقم: (4986).
[11] "مسند الإمام أحمد" (5/172).
[12] قطعة من حديث في "مسند الإمام أحمد" (5/412).
[13] "صحيح مسلم" (1/393)، برقم: (560).
[14] "صحيح البخاري" (1/141)، برقم: (373)، و"صحيح مسلم" (1/391)، برقم: (556).
[15] "صحيح مسلم" (1/206)، برقم: (228).
[16] "سنن أبي داود" (1/238)، برقم: (904).
[17] "صحيح البخاري" (1/236)، برقم: (716).
[18] "صحيح البخاري" (1/236).
[19] "الوابل الصيب من الكلم الطيب" (ص34، 35).

إقرأ المزيد